كيف نمنح الأشياء قيمة؟
ما يراه الأمير الصغير و يغفل عنه الكبار.
هذا الأسبوع عاودتُ قراءة كتابٍ من أحبِّ الكتب إلى قلبي، كتاب الأمير الصغير(The little prince)، كونه يذكّرني بأنّي لا يجب أن أكون مثل -الكبار- الذين ذكروا فيه، و يبعث فيّ صحوة تجعلني أخرج من المستنقع الذي أصبحنا نعيش فيه - بل و الأرجح أن نقول أنّه هو من يعيش فينا- و يجعلني انسحب من ماراتون اللحاق بالماديات.
و قد استوقفتني هذه العبارة التي قالها الثعلب :
"We only really know the things we tame"
ركزت على كلمة tame في النسخة الفرنسية نجد أن الكاتب استعمل كلمة Apprivoiser.
هذه الكلمة مشتقة من الكلمة اللاتينية Privus و التي معناها خاص أو ذاتي، بمعنى انه عند قيامنا بهذا الفعل نجعل الشيء خاصًّا بنا، و نخرجه من حيّز العموم إلى حيّز الخصوصية، و المعنى المقصود هنا هو خلق الروابط، و كسر الغربة، أي تحويل واحد من مائة ألف إلى وحيدٍ في العالم، فهذا هو مفهوم فكرة taming أو التوليف.
وردة الأمير الصّغير لم تكن إلا مجرد وردة عادية، تنمو مثلها آلاف بل ملايين الورود و تقطف، تباع، تشترى و تهدى أو حتى تُرمى و في النهاية ستذبل، لكن بالنسبة للأمير كانت مميزة لأنها ببساطة كانت وردته، لأنه أمضى معها وقتا، لأن بينهما رابطًا خفيا لم يكن شخصًا غيره ليلمسه.
و هذا ما يمنح الأشياء و الأشخاص في حياتنا قيمة، نحن لا نعتبر الشيء مميزًا لذاته أو كيانه وحسب، بل لأننا منحناه جزءًا من روحنا، تلك الساعات و الدقائق التي قضيناها في الرعاية و الحماية، أو ربما محاولة فهم من نحب و أفكارهم، مبادئهم، خياراتهم و حتى مشاعرهم، ليصبح هذا الشيء أو الشخص مميزًا بالنسبة لنا على غِرار الأشياء الأخرى او محيطنا الآخر، يحدث أن تكون الفكرة مميزة عندما تصبح جزءًا من هويتنا، و الجماد ذو قيمة حينما يصبح ملونًا بذكرياتنا، و الشخص عزيزًا حين تُصبح العلاقة مبنيّة على معرفة الآخر و معايشته بندوبه و حسناته، كما يحدث أن يصبح الوقت الذي امضيناه في الانتظار هو ما يعطي قيمة اللقاء.
فنحن لا نعرف العالم بعقولنا بقدر ما نعرفه بمدى استعدادنا للعيش في التصوّر التي بنيناه عنه، بمدى استعدادنا لمنحه وقتنا وصبرنا، فبينما يركض -الكبار- لامتلاك كل شيء، يدرك الأمير الصغير أن الامتلاك الحقيقي لا يكون بالشراء، بل بالتوليف و التعايش؛ فما تملكه بمالك قد يضيع، أما ما تولفه بقلبك يصبح جزءًا منك لا يمحوه الغياب و إن غاب.

